الشيخ محمد رشيد رضا

100

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ قال الأستاذ : الرئاء ويخفف فيقال الرياء مصدر راءى كالمراءاة ، والجملة عطف على الذين يبخلون وأعيد الموصول للدلالة على المغايرة في الأصناف كقوله « وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً » من سورة آل عمران ، أي إن مانعي الاحسان من أهل الفخر والخيلاء صنفان صنف يبخلون ويكتمون فضل اللّه عليهم وصنف يبذلون المال لا شكرا للّه على نعمته واعترافا لعباده بحقوقهم ، بل ينفقونها رئاء الناس أي مرائين لهم يقصدون ان يروهم فيعظموا قدرهم ، ويحمدوا فعلهم ، فالمرائي لا يقصد بانفاقه الا الفخر على الناس بكبريائه ، وإشراع الطريق لخيلائه ، فانفاقه اثر تلك الملكة الرديئة . والكبرياء كما تكون من شيء في نفس الشخص ، تكون أيضا بما يكون له من المال والعرض . فإنك لترى الرجل يمشي ينظر إلى عطفيه ويفكر في نفسه هل هو محل الاعجاب والتعظيم من الناس أم لا ( والمرجح عنده نعم على لا ) وشر هذا دون شر البخيل فان هذا يحمل الناس على قبول اختياله وفخره في مقابلة شيء يبذله لهم فكأنه رأى لهم شيئا من الحق عليه وهو بدل التعظيم والثناء الذي يطلبه برئائه ، واما البخيل فقد بلغ من احتقاره للناس واختياله وفخره عليهم أن لا يرى لهم عليه حقّا ما فهو يكلفهم تعظيمه ومدحه لأجل ماله - وماله في الصندوق مكتوم عنهم - فهو شر من المرائي بلا شك ، ولذلك قدم ذكر البخلاء اهتماما بهم لأنهم أعرق في تلك الرذيلة وآثارها . والمرائي في الحقيقة بخيل لا يرى لاحد عليه حقا ولكنه يتوهم انه صاحب الفضل على الناس ولذلك يخص ببذله في الغالب من لا حق لهم عنده ويبخل على أرباب الحقوق المؤكدة حتى على زوجه وولده وخادمه ، وعلى الأقربين حتى الوالدين ، ولا يتحرى في انفاقه مواضع النفع العام ولا الخاص وانما يتحرى مواطن التعظيم والمدح وان كان الانفاق هنالك ضارا كالمساعدة على الفسق أو الفتن ، فهو تاجر يشتري تعظيم الناس له وتسخيرهم لقضاء حاجه والقيام بخدمته أقول إن ما يبينه الأستاذ الامام هنا هو الرياء الحقيقي الممقوت عند اللّه وعند خيار عباده ويقول علماء الاخلاق الدينية ان للرياء أنواعا ومراتب وان منها أن يبذل المال لمستحقه امتثالا لامر اللّه تعالى وقياما بالحق وإيثارا للخير وقد يخفيه ولكنه يحب أن يحمد على ذلك إذا عرف ، ويعدون الرياء من الشرك الخفي ويقولون إن منه